محمد حبيب
       

رفاق وحدة..

مدن الملح, عبدالرحمن منيف

 

 

 

ذبــول *
06-04-2008 | قصاصات

وحدي شهدتُ النهاية الأكثر غرابة, والأكثر ألمًا.
أنتمي بطبعي لنوع من الرجال لا يستطيع فَصْل جزيء الغيرة عن مركّب الحب المعقّد, ربما نجحت في إحتواء التصرفات التي تؤدي الغيرة إليها أحيانا, تلك التي لا أتمكن من تفسيرها بشكل منطقيّ دومًا. كنت أبتلعها كالجرادات الميتة, كما يبتلع الأطفال مرارة الدواء عن إضطرار, يدفعني إليه الخوْف من ألم مُشترك قد يسببه البوح, أو ربما عدم جدواه أصلاً. غير أن هذا الإحساس وإن ظلّ حبيس عقلي إلاّ أنه كان كافيا لإحراق جزء من كياني كلّ مرة, في صمت.
لم أتحمّل للحظة فكرة مشاركة آخر فيما يتعلق بشأنكِ, حتى لو كانت مشاركة محدودة الوقت, وهميّة الوجود, لا تقارن بديمومة وجودي بجواركِ في الأغلب, كان إكتشافي مغالبةً ما من أحدهم كافيًا لإشعال كل الحرائق, بغيرة تختلف دواعيها عن سابقاتها بشكل يجعلها, هذه المرّة, غير قابلة لأيّ إخماد! وبالأخصّ لأن الأمر لم يأتِ من جهة متوقعة, ولا –حتى- غير متوقعة, بل جاء من جهة لم تكن موجودة, حسب سابق معرفتي, التي أكتشفت ضحالتها فيما بعْد, متأخرًا جدًا.
لماذا ظللتُ حتى تلك الفترة أدافع عنكِ بكلّ هذا الإيمان؟ لماذا كنت أكرر لنفسي أنكِ مختلفة, أنَّكِ رغم الجفاء, ورغم الكلمات التي قتلتني مرارًا عن غير عمد (ألم تكن؟), كنتِ على الأقلّ صادقة معي؟ حسنتُكِ الوحيدة هذه قد ذبلت الآن, ولا شيء بعدها إلاّ صحراء ممتدّة, لم تكفيها أبدا سقايتي وحدي.
أتذكّر. كنا يومها في حديقة, كنتُ أجلس بركن قصيّ, وفي صمت أستمعُ إلى النيل وأراقبكما رغما عني, كلُّ في مكانه, أنتِ مع أصدقائكِ, وهو يعزف على آلة موسيقيّة, لا تدريان أيّ عين تنظر إليكما الآن! يومها.. لماذا أتيتِ إليّ؟ لماذا سألتيني عن سبب جلوسي وحيدا وبعيدا؟ هل كنتِ تهتمين بأشياء كهذه حقًا؟
عدتُ يومها وحدي, وفشلت في إقناع نفسي بالبكاء, كنتُ محاطا بحاجز ثقيل من الهمّ تمنيتُ لو يفتّت البكاء بعضًا منه. حرمني الوجوم إغتنام فرصة ثلث الليل الأخير ليلتها كما نويت, يا إلهي.. هل عجزت حتى عن البوح إليكَ؟ لك حكمتك, ولي حزني.
مع الوقت.. ظلت الشكوك تتراكم, والخيوط تتشابك, والألم يتعقّد أكثر. وصلتُ لتصوّر أكثر وضوحا مع ضوء اليوم الجديد. لم أحتمل كتمان الأمر لوقت أطوَل, في العاشرة صباحا هاتفتها وآلاف النوايا تتصارع داخلي, كانت مرارتي بالغة وهواني باديًا. أعلم كيف ستنكر كل شيء في البداية كما تعودَت مع كل جرح انكأهُ, لكن رغبتي الآن في إنتقال الأمر من خانة الشكّ, مهما بلغ من القوّة, إلى اليقين الصريح كانت ملحّة بشدّة.
بعد أن وضعَتْ بعض مساحيق التجميل على وجه كلامها.. صارحَتني. إستمعتُ إليها صامتا, وأخيرًا.. بللتُ سماعةَ الهاتف ثلاثة مرات, في هدوء أقلّ من أن يدركه سمعها.
قلتِ كثيرا أنكِ لا تؤمنين بالحبّ, وأن مشاعرك لم تتحرك بإتجاه رجل أبدا. هل تنتظرين مني الآن أن أقبل تفسيرا سخيفا مثل “خجلكِ"؟! ربما كان تفسيركِ الثاني, رغبتكِ في النسيان, أقرب إلى الحقيقة, لكن لماذا حين عاد عدتِ بهذه السهولة؟ لا تحاولي إنكار مشاعركِ, لا زالت على سابق عهدها, صدقيني لم يتغيّر موقعه لديكِ أبدًا, هنيئًا له الحبّ الذي يُرسي قواعده وحده, ويحفظ جسوره قائمة ما بين قارتيْن.. وخمس سنوات!
لماذا لا أقوى على لومكِ حتى؟ إتخذتُ من البداية قرارًا بجعلكِ معصومة عن أي خطأ, ولا أحلل أي شيء الآن بمعزل عنه, لكن إذا كنتِ لم تحبينني أبدًا كما تكررين, لماذا أخفيتِ عني أمرا تعرفينَ أنه كان كفيلا بتسوية أموري كلها منذ زمن؟ ولماذا ظللتُ أنا متوهما لفترة طويلة أن حياتك كتاب مفتوح أمامي, قبل أن تقفز في وجهي بعض الأوراق القديمة التي تصلح لفرش أدراج المكاتب, وأيضًا لحمل أرقام هواتف أوروبيّة, تعرف جيدًا, متى تقول “صباح الخير”, لتنثر بهجة وسعادة, ودهشة, وألم.

***

إنتهينا إذن.
لا يمكنني وصم هذه التجربة بالفشل, السذّج فقط من يقيّمون النجاح والفشل بمؤشِّر في أحد طرفيه دبلتَي عُرس, وفي الآخر دمعتَي وحْدة, الأمر أكثر تعقيدا من هذه البساطة. بتلخيص رائع, تقولُ الأم تريزا: ‘‘نجاح الحب هو في أننا أحببنا, ليس للنجاح علاقة بما سينتهي إليه الأمر. من الطبيعيّ أن نتمنّى الأفضل لمن نحبّ, لكن سواء مضت الأمور على النحو الذي تمنيناه أو لم تفعل, ليس من شأن هذا تحديد قيمة ما فعلنا’’.
أعتقد أيضًا أن ما يولد ويحيا داخل طرف واحد يحمل معه ملصق بالصدق منذ الميلاد, أصدَق المحبين هم من لم يُبادلوا نفس الشعور؛ لأن من يظنون إعتناق الحب هينًا, ومن يمارسونه كلُعبة, لن يتحمَّلوا سقاية الأرض الجرداء وحدهم عمرا طويلا, هذا إختبار لا يتخطّاه إلا صادق, وإن كنتُ أقول الآن أن الصدق وحده ليس كافيًا أبدًا. ربما كنا بحاجة إلى شرطيّ مرور يقف جوارنا, فقط ليخبرنا عن نهاية كل طريق قبل أن نبدأه, ليصبح قرار تذوّق الألم من أكثر منابعه صفاءً, قرارنا وحدَنا.
أتعلمين, قد لا تفهمينني, لكنني أعتقد أنني لم أكن لأشعر بهذا القدر من الغيرة تجاه زوجكِ, الزواج ينظِّم فقط علاقاتنا الجسديّة, مجرّد ورقة ستذيلينها بتوقيعكِ, لكن لا شأن له, ولا لغيره, بمشاعرنا الحقيقيّة, تلك التي لا تحسن الأوراق الرسميّة التعبير عنها أبدًا.

---
* في لسان العرب: ذبل النبات والغصن والإنسان يذبل ذبلا وذبولا, والجمع ذبل ويقال ذبل فهو يذبل ذبولا وذب ذبوبا إذا جفّ ويبس ريقه وأذبله الحر.

26 أكتوبر 2007

محمد حبيب, يوم 06-04-2008 في 01:54 am
قصاصات | التعليقات: 1 | رابط ثابت
الصفحة: 1 من 1 صفحات