أفتقد ليلتها, صوت مشاري يخرج هادئا من مذياع السيارة(سورة يوسف؟), والطرق خالية إلا من أسهم وعلامات تشير إلى اتجاهات بعيدة, لن تذهب إليها(المعادي؟), أعمدة الإنارة حاملة الهالات الصفراء فوقها.. (أشعر بالبرد), في هذه اللحظة أحببت حياتي فعلا, وهذا لا يتكرر معي كثيرا.
.. تعبر السيارة أحد الجسور محتفظة بسرعتها (قال لي يوما أن نصف هذا الجسر ينتمي للقاهرة والآخر للجيزة), نسمة هواء باردة تتسرب لتمنحك رجفة للحظة, إبتسامتك التي لم يلحظها أحد.
(يا ربي.. لو تستمر هذه اللحظات للأبد!)
كوبري 6 أكتوبر, أشعر الآن أني (فوق القاهرة) تماما, تدخل السيارة طريقا خاطئا, لكن جميع الطرق متصلة (بلى, ليست مشكلة), شارع جانبي ثم.. (نعم, أسكن هنا).. تلتقط أوراقك و(شكرا), تشعر برغبة صادقة في الإبتسام, فتفعل..

تعلمينَ.. أحزن لحزنكِ أيضا, غير أني لا أملك توجيه بوح مباشر إلى قلبك الصغير, الحبيب على بعده, وبرده, الطيّب مهما فعل.
صغيرتي..
على أثر التغييرات التي طرأت مؤخرا -جعلتنا أفضل كثيرا بالمناسبة, لو تهتمّين بشأن صغير كهذا-, بعد أكتوبر البائس ونوفمبر السعيد, أصبحت أمرّ بتجربة الحزن نفسها مرتين, مرة لكِ ومرة لي, بكل التناقض والبغض الذي يحمله كل حزن منهما للآخر, تناقض الأسباب, وتضارب الطرق المحتملة للشفاء. ما سبق قد لا يزيد على أسطر في عمر الكتابة, لكنه تجربة حياتيّة قاسيّة على من مرّ بها, صدقيني. وأعيدي قراءة السطور الخمس الأخيرة من جديد!
بعض الطرق تصبح أكثر فعاليّة لو حملت السائرين لإتجاه واحد, بدلا من إثنيْن, ما مصير طريقنا إذن؟ أتسمحينَ بإجراء تعديل مروريّ صغير كهذا, رغم أنف السلطات؟ حسن. بيدك وحدك تقرير ذلك, لا أجرؤ على توجيهك, أو التأثير عليك في قراراتٍ يجب أن تتعلمي كيفية إتخاذها بإنفراد. لأن عدم قدرتك على ذلك وحدك, سيعني أيضا, عدم إستعدادك لمعركة صغيرة لأجلها, ولتحمّل نتائجها, السعيدة حتما.
أعرف أنكِ تقرأينني جيدًا, وأنكِ تعلمين أن لا كلمة أتت في غير موضعها, وأن الكلمات التي لا موضع لها الآن, قد اختبأت بينَ السطور, بإنتظار فرصة لتضيء مكان مظلم كهذا, وأنكِ تعنينني أكثر من أن أشغلكِ بشأني, وأني لا أقر لحوّاء بإبنة غيرك, و… مهلا!
حسنًا.. لا ينبغي أن يجرفني تيار الكلمات مجددا, أقول لكِ: لا تشغلي عقلكِ بأشياء ربما لم يحن وقتها, أغمضي عينيكِ فقط على الحلم الذي تريدين, بالبطل الذي تريدين, والله بالأعالي ودودٌ جدا, وحده يمهّد الطرق, ويغيّر إتجاهاتها, لتتلاقى, تتوازى.. تتّحد, وحده قادرٌ على جعلها أقلّ بردا, وأكثر سلاما.
لنفكر قليلاً: كل الأمور التي لا نفهمها أبدًا, وكل الخيوط المتشابكة, التي كان من السهل أن تصبح أكثر بساطة, وكل الدوائر الغير مكتملة, التي تنتهي – دومًا – إلى دائرة جديدة, لا تكتمل هي الأخرى, وغيرها. ألا يمكن أن تكون هذه الأشياء تمضي هكذا, دون أن نفهم, مهما بحثنا عن الحكمة, لأن الله يريدنا أن نعلم أن حياتنا الأولى ليست هي النهاية؟ فيصبح بحثنا عن حكمة حدوث الأشياء خلال فترة قصيرة فقط هباءً, لأنه لن يؤدي بنا إلى نتيجة نرتاح إليها.
أعني, تخيّل مثلا أنكَ شاهدت مسلسلا تليفزيونيًا, ثمّ توقفت عن متابعته بعد عدد يسير من الحلقات, هل سيكون من المنطقيّ أن تتهم الكاتب بأن مؤلَفه غير مفهوم, أو غير مكتمل الأركان؟, لا!, لماذا؟ لأنك تعلم أن حكمك لم يكن إلاّ على جزء صغير من صورة كبيرة, لم يتسنّ لك مشاهدتها بشكل كامل.
فإذا كانت حياتنا الأولى – أصلا – لم تنته بعد, كيف نحتجّ, ونتهم الأقدار بالعبث بمصايرنا, لأننا خسرنا أشياء كنا نرى أنفسنا أحق بها من الآخرين, أوْ ظننّا أن الأمور “كان يجب” أن تمضي على نحوٍ آخر, لأن هذا النحو الآخر يسعد الجميع “الآن”؟, ومن أدرانا بما سيحمل المستقبل من نتائج لما نودّ أن نسيّر الدنيا عليه في هذه اللحظة؟ لماذا لا نثق بخالق كل ما حوْلنا, إذا كنا على ثقةٍ بأن لا شيء يجري بغير علمه, وبأنه لا يغفل حتى عن نسمة هواء بدّلَت مكان ذرتيّ رمال في صحراء لم يقربها بشر؟
.. إلهي العظيم, وحدك تدرك تمامًا, وتذكر إلى الأبد, كل ما يمرّ بالخاطر حتى ولوْ نسيْناه نحن, ووحدكَ, تعلم في أيّ طريق تكمن سعادة العباد, ورغم تباين وتقاطع طرقهم ومسالكهم, ورغم إبتعادهم عنك أحيانًا, إلاّ أنهم يجدونكَ دائمًا على مسافة دعاء منهم, على مسافة كلمة “ربي”, أو أدنى.
وحدك لا تغلق أبدًا أبوابك: كما سبق في علمك, كان ما كان, وسيكون ما سيكون, أشهدك أني راض قبل القضاء, واسألك الرضا, برد الرضا, بعد القضاء.
حلمتُ بأني وهي نصلي متجاوريْن تماما, صلاة أحلام لا تلْتَزِم بقواعد, فلا هي خلفي ولا أنا أمامها, لم نكد نبدأ حتى أتى أحد المتفيهقين اللذين لم يمنعهم حرس الأحلام من إقتحام دنياي الصغيرة, أيضًا, ليحاول بحماس مبالَغْ, إقناعنا بأنّ القبلة في إتجاهٍ آخر. بعد حوار صدقته هيّ, غيرت قبلتها, بدأت صلاة جديدة, وتركتني.
لا أذكر إن كنت قد إتبعت قبلتها الجديدة, أو بقيت, إلاّ أنها لاحقا أدركَتْ أن القبلة لم تكن في غير إتجاهنا الأوّل, الذي رفضَتْه خشيَة إتباع الهوى, لا أكثر, هكذا الأمور حين تختلط عليها/نا.
بثقة أكبر, صليْنا مجددّا, سلّمنا, دعوْنا, إبتسمْنا…. صحوْت!
كنت سأعتذر, صدقني.
أخطأت.. ولا أجادل, أعلم أن هناك فارقا بين الفعل وردّ الفعل, أن هناك حدودا للضغوط التي يستطيع البشر أن يتحملوها, وبالأخصّ حين تتزامن, ولكن كل هذا لا يعطيني رخصة كيْ لا أعتذر, قانون اللعبة يحتّم أن أعتذر أنا دوما, ولو كان الباديء أنت, ولو كنت أنا من ظُلِم.
إعتذار لمْ يمنعني عنه إلاّ إتباعك هذا الأسلوب, كل هذه الأعوام ولا زلنا غرباء هذا الحدّ؟ أنتَ لا تعرفني على الإطلاق!
المأساة الآن, ببساطة, أني لن أسمح لك بفهم الأمور على هذا النحو, تحت أي ظرْف, حياتي تسير في إطارٍ فلسفيّ بحت. يحتّم علي أن أخسر الكثير.. كي أكسب نفسي.
من فضلكْ. دعنا نقف عند هذا الحدّ, ولا نقلب في أوراقنا القديمة -والجديدة- كي لا نخسر المزيد.
هي فترة كنت متوقع من البداية إنها تكون الأسوء, فات منها اللي فات ولسة فاضل.. كتير, النهاردة التعب هدّني بجد..
يمكن أول مرة يبقى من أكبر أحلامي إني آخد أجازة ماتقلش عن أسبوعين وأكون فيها في مكان ساحلي يا إما لوحدي يا إما مع حد من اتنين..
عارف.. يمكن لو الحياة كانت بتيجي بيرفكت أوي زي ما بنتمنى كنت عملت حاجات كتير, كنت قدرت أقرب أكتر من ناس بحبهم وأبعد عن ناس تانية, وأبعد الناس التانية عن الناس الأولانيين! كنت مش هتجرح ولا هاجرح, فاهمني؟ أكيد يارب.. أكيد
يمكن كنت قدرت في الأجازة دي آخد ناس معينين معايا, غصب عنهم حتى لو مشغولين أو مش فاضيين لي, كنت هروح رحلة ألفّ فيها أوروبا كلها, ومع حد أنا عايز أروح هناك معاه, ولندن الأول!, هيثرو!.. بعد كده أيّ حاجة تانية..
**
الدكتور بتاعي أصله مش فاضي يكلمني!
**
باتخيل إني قمت وفيّ سعادة الدنيا عشان حاجة حصلت في حلم وماحكيتهاش لحدّ, وتاني يوم حصلت حاجة بجد وبرضه ماحكيتهاش لحدّ, ياربي!.. هو ممكن سعادة زي دي تبقى موجودة في الدنيا؟ ممكن موضوع زي ده يمشي.. وتحصل أي حاجة بعده مهما كانت؟ مش عارف.. محتمل, يجوز!
هيّ الحياة آه مش بتمشي دايما زي ماحنا عايزين, بس مين قال إني عايزها دايما؟, أنا عايزها أحيانا.. ولا أحيانا حتى.. أنا عايزها تمشي مرة واحدة.. بس, نفسي أكسر السقف اللي فوقي ده!
..
صورة الديسكتوب عندي تحفة, آه نفسي أكون هناك.. بس كفاية عليا أبص لها عشان أبقى كويس في وقت مش مستحمل فيه فكرة إني فعلا.. لوحدي!
****.. ***!
الآن إنتهت المسرحيّة.
بدأ عرضك الحرّ؛ يمكنك الآن أن تغني, ترقص, تركض, تصرخ, تطير, تسبح, تفرح, تبكي.. تموت! يمكنك أن تقول “سحقا” في حدّة, أخيرًا.. أقول لك: يمكنك أن تكرههم, أطلق لمشاعرك العنان, مضى زمن المثالية, الآن أصرخ في ما شئت وفي من شئت, لم يعد نقادك ها هنا ليعدوا عليك أنفاسك, هه!.. نقاد؟ لم يعد في الصالة أحد غيرك ليشهد لحظة السقوط الأخير.
لم تختر أيّا من البدايات.. الآن شكّل النهاية على النحو الذي تريد, عرضك الذي خشيت أن تسدل ستائره, اليوم ترخيها أنت, مودعًا.. تحيي كل الأبطال, تغلق الأبواب, تطفيء الأنوار, تقلب الأحلام… تبقت شمعة ما هناك, تبقي عليها, ضوئها الآن يبدو مناسبا تماما للنهاية.
ذات ذكرى..
بين وهم ما قد حدث, ولَمْ يحدث تماما.. سعادة يقتلها أنْ غابَت! , أصدق أندريه جيد.. «لا شيء يقتل فرحتنا, كذكرى فرْحَة» .
ربما تُحسب أعمارنا بعمق ذكريات تبقّت, يتركها الجميع بداخلنا قبل أن يمضوا هُم.. ويبقى منهم الكثير ! , «الماضي لا يذهب أبدًا, هو ـ أصًلا ـ لا يمضي» ويليام فوكنر .
.. كيف نبقى ونذهب في نفس الوقت؟
.. كيف توضّح للدنيا التي وهبتك ما تريد مِمّن لا تريد, بأنّك ترضى بما لا تريد مِمّن تريد؟
دوائر مَكْسورة بإحكَام.
“يوم نموت, سيمحو النسيم الرقيق آثار أقدامنا على الرمال..
بعدما يفنى النسيم, ترى من يخبر الأبدية أننا مشينا ها هنا مرة في فجر الزمان؟”
أغنية لدي قبائل البوشمِن الأفريقيّة ـ أكثر قبائل الأرض بدائية
وأخيرًا.. مضى العام الأول من عمر المدونة الناشئة, مخلفا 111 تدوينة و 587 تعليقا, التجربة كانت ثرية جدا بالنسبة لي, ربما شجعني التدوين على “طرح” أفكاري بشكل أكثر تنظيما, حيث لم تكن تتعدى في السابق ردود أو مناقشات في المنتديات أو بيني وبين أحدهم, تحية تحمل الكثير من المودّة الصادقة لهؤلاء الذين عرفتهم من هنا.. لستُ أدري, أبو يوسف, جُحَا.كُمْ, أبو طالب, أبو حماس, جدو إسكندر, عمرو عزت, الغالي أحمد, لنتعد الطبيعي, محمود ماجد .. وباقة من الورد لمن لا يرحم دماغه!
من المفترض اني هانقل عزالي لفيصل النهاردة مع بداية التيرم التاني, وختام الاجازة اللي لسة مابدأتش أصلا!, لسة الجو جديد عليّا نوعا.. هافتقد حاجات كتيرة جدا, الفترة الجاية كمان أعتقد هاتكون مضغوطة عندي جدا, زي ماكانت الفترة اللي فاتت ملخبطة نفسيا جدا برضه..