قليل من الحنق
على المائدة ليلًا، كان يتحدث إليّ عن الدراسة والعام الأخير.. ذهبت عينيّ إلى التلفاز، كان خلفه إلى اليسار قليلاً.
فيلمًا أمريكيًا، في المشهد تبدو سيدة عجوز أمامها طبق مليء بالحلوى، تبادل نادلة المطعم الضحك وقليل من الكلمات. المكان نفسه يبدو كمطعم متخصص في تقديم الحلوى دون سواها.
بعد قليل يدخل المطعم ثلاث فتيات يتجهن مباشرة إلى العجوز بصيحات مرتفعة كأنهن قد ضبطن لصًا! حاولت النادلة تفهّم الأمر والتدخل إن استدعى هذا شيء، فتوجهت أكبر الفتيات عمرًا باللوم إليها هي، لا أذكر نصّ كلماتها لكنها قالت أشياء عن كون هذه السيدة أمها، وأنها مريضة بالسكّر ولا يجب عليها أن تأكل أي شيء مما يقدمه هذا المكان، لأن – بحسب طبيبها – قد يؤدي هذا إلى أن تفقد بصرها خلال أقل من عام، نتيجة لتدهور حالتها بشدة.
دهشت فتاة المطعم.
بعد دقائق رحلت الفتيات -اتضح من الحوار أنهن أبناء العجوز المريضة- بعدما فقدن الأمل في إقناع الأم بالرحيل.
اتجهت النادلة الى العجوز بعد رحيلهن معاتبة، «لماذا لم تخبريني؟»، العجوز التي التزمت الصمت تماما تجاه لوم بناتها، بدت كمن فقد صبره.. «ولماذا أخبرك؟ لماذا لا يسمح لي هذا العالم بقليل من الخصوصية؟ إن كان مقدرا لي أن أحيا لعام واحد، فلست أنوي أن آظل حبيسة مرضي خلاله، أنا لا أهتم بكل هذا!» وأخذت حقيبتها وخرجت من المطعم.
أكثر مشاكل مريض السكر ليست في طريقة العلاج المتبعة ليتكيف مع المرض، وليست في عدد الشكّات اليومية، المشكلة هي في إحساسه بالإختلاف عن الآخرين، بأنه لن يستطيع أن يحيا حياة طبيعية مثلما يفعلون، ومشاكله ليست أقل من هذا مع من -بسماجة- يسمحون لأنفسهم بإختراق خصوصيّاته وإخبار الآخرين عن مرضه، ليست أقل أبدًا.