على مسار الدعوة / محمد الغزالي
نحن ندعو ربنا فى كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، و الصراط المستقيم ليس خطا وهميا ينشأ عن هوى الأفراد والجماعات، وإنما هو حقيقى يرسمه من الناحية العلمية: القرآن الكريم، ومن الناحية العملية: الرسول الذى حمل الوحى وطبقه وربى جيلا من الناس على عقائده وشرائعه.
والتاريخ الإنسانى يشهد بقوة ووضوح أن قافلة الإسلام لزمت هذا الصراط حينا من الدهر، وأنها قدمت للعالم نماذج حية فى بناء الخلق والمجتمع والدولة.. نعم.. كان السلف الأول عابدين لله، ذوى بصائر ترنو إليه وتستمد منه، وتنضح بالتقوى والأدب فى كل عمل يباشرونه. وكانوا ـ إلى ذلك ـ خبراء بالحياة يسوسونها بالعدل والرحمة، ويقمعون غرائز التطلع والحيف، ويرفضون ما سبق الإسلام فى ميدان الحكم من فرعونية وكسروية وقيصرية، كما يرفضون ما سبق الإسلام فى ميدان التدين من شرك أو تجسيد أو تعطيل.. إن الصراط المستقيم ليس وقوف فرد فى المحراب لعبادة الله وكفى، إنه جهاد عام لإقامة إنسانية توقر الله، وتمشى فى القارات كلها وفق هداه، وتتعاون فى السراء والضراء حتى لا يذل مظلوم، أو يشقى محروم، أو يعيث فى الأرض مترف، أو يعبث بالحقوق مغرور، وقد وقعت خلال القرون الطويلة انحرافات دقيقة أو جليلة! وقبل أن نتفرس فى هذه الانحرافات ونتحدث عن مداها نريد أن نقرر حقيقة مهمة: إن السلف الأول وحدهم هم مصدر الأسوة، ويعجبنى ما روى عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: “من كان مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحى لا تؤمن عليه الفتنة! ” أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم على أثرهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم”.
إن بعض الذين ضاقوا بالانحرافات المعاصرة فى العالم الإسلامى فكروا فى العودة إلى الأمس القريب، أو إلى بضعة قرون مضت! فقلت لهم: لا. مثلنا الأعلى فى القرن الأول وحده، ففى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ ”
والاقتداء بداهة ليس فى ركوب الخيل والإبل، والحرب بالسيف والرمح! الاقتداء فى التجرد والخشية وإيثار الآخرة!! أما تأمين الحقيقة فقد استحدثت له وسائل مدنية وعسكرية لا حصر لها، ويجب على حملة الرسالة إتقان هذه الوسائل.. وقد بين أولو العلم ما يجب التزامه شكلا وموضوعا من شئون العبادات المحضة أما غيرها فنسق آخر.. العدل هو العدل، ولكن ضمانات وصوله إلى ناشديه تكثر وتتغاير على مر العصور، وقد قيل: تحدث للناس أقضية بقدر ما استحدثوا من فجور.. والشورى هى الشورى بيد أن ضمانات التعبير عن الرأى وضمانات الوقوف أمام الاستبداد تختلف باختلاف البيئات والملل.. وفى عصرنا هذا قامت أجهزة للدعاية تخدم شتى الملل والنحل بأساليب فاتنة، فإذا لم نسبقها نُسبق، ظلمنا ديننا، وأضعنا حقنا، وكان علينا وزر المفرطين.
الصراط المستقيم إذن معروف بالعقل والنقل فلماذا يقع الانحراف عنه؟ والجواب: طبيعة البشر! إننا نخطئ وليس فى ذلك عجب! ولكن العجب أن يبقى الخطأ وأن نصر عليه!!
الانحراف عن الصراط المستقيم
والأعجب من ذلك أن يمضى البعض فى طريق الانحراف وهو لا يدرى! أو لعله .. يحسب نفسه على صواب.. وميلاد الانحراف خلقيا كان أو اجتماعيا أو سياسيا يبدأ من نقطة ما، ثم يسير مشكلا مع الخط المستقيم زاوية حادة، فإذا قست المسافة بين خط الزيغ والخط المستقيم وجدتها قدر أصبع، ثم تمتد فتصير قدر شبر، ولا يزال الزمان يطيل المسافة بين الخطين حتى تصير قدر ميل أو أميال، ويكون البعد عن الحق شاسعا!!
والانحراف المعيب لا يقع فى مكان واحد، بل قد تتعدد أسباب الميل، وتكثر المتعرجات التائهة، وتنحل عرا الإسلام عروة عروة بالصمت الجبان وترك الفتن تمشى حبلها على غاربها، بل إن معالم الصراط المستقيم تكاد تخفى مع توارث العوج وذيوع الجهل لولا أن الله سبحانه تعهد دينه بمن يجدد أمره، ويجلو بريقه، ويذود عنه الآفات.. إذا ذكرت كلمة ” الدين ” سبق إلى فكر الناس ما وراء المادة والبحوث الغيبية المحيرة فى هذا المجال .. فهل الأمر كذلك عندنا؟ كلا. إن الفاتحين الأوائل ما أثاروا بين الشعوب قضية من هذا الطراز، لقد انطلقوا باسم الله الواحد ينقلون الجماهير من الظلمة إلى النور، من الظلم إلى العدل، من الخرافة إلى الحق فشغلوا الناس برؤية الميزان الذى أقاموه لكفالة معاشهم ومعادهم عن بحوث ما وراء المادة.
الكلام فى العقيدة موجز مجمل: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى) والتفاصيل أعمال صالحة تبدأ من إقام الصلاة وتنتهى بتنظيف الطرق! وتقصى من الحياة العامة أسباب الشكوى والهوان:
(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)
ما ينبغى أن يهتم به العقل الإسلامى اليوم
كان السلف الذين يحملون الإسلام قديما واقعيين يعرفون مراد الله بذكاء وينفذونه بدقة، والإسلام – كما نعرفه من كتاب ربنا وسنة نبينا – فطرة سليمة لا فطرة ملتاثة، وتعاليم يعيها أولو الألباب لا أولو الثقافة القاصرة والأحكام البلهاء. وقد أحس ورثة المدنيات القديمة أنهم أمام عقل أذكى من عقولهم، وخلق أنبل من أخلاقهم، وبر بالشعوب أوسع من برهم، وأدركوا أن صفحتهم يوم تطوى، فلكى يرى العالم صفحة جديدة أملا بالرحمة والعدل يخطها أولئك الذين رباهم محمد صلى الله عليه وسلم. فهل كذلك الداعون إلى الإسلام فى يوم الناس هذا؟
إن التفكير الواقعى فى معالجة شئون الناس هو الذى أنجح الإسلام قديما، وجعل الناس يدخلون فى دين الله، أما معظم مسلمى اليوم فأبعد شىء عن قضايا الشعوب المصيرية الشاملة! وأحب أن ألفت الأنظار إلى تغير فى الفكر العالمى، صبغ الإنسانية الآن، أساس هذا التغير الحفاوة بالمنطق التجريبى والزهد فى المنطق الفلسفى، وقد نشأ عن ذلك إهمال متعمد للفكر اليونانى فى الإلهيات باعتبار هذا الفكر رجما بالغيب وبحثا لا طائل تحته.. وينبنى على هذا أن ما انشغل به العقل الإسلامى قديما من تراث الإغريق، يجب وضعه على الرف إن لم يرم فى سلال المهملات!! وعلى الدعاة المسلمين من سلف وخلف أن يلزموا أسلوب القرآن الكريم فى عرض المعتقدات، وأن يشغلوا أنفسهم بتقديم حلول إسلامية للمشكلات المحدثة والأزمات المادية والأدبية الطارئة. إن ذلك ما فعله السلف الأول فأعانه على فتح المشارق والمغارب.. أما المشتغلون اليوم بإعلان حرب على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة فإنهم قد يحرزون نصرا فى ميدان لا عدو فيه، إنه نصر على الأشباح ولا يغنم إلا الوهم!! ولست أمنع بعض المتخصصين من دراسات تاريخية لماضينا القريب والبعيد، بيد أن ميدان الدعوة يجب إبعاده عن هذه المخلفات البالية، ويجب شحنه برجال لهم عقول ناضرة تعرف ما يقدم الإسلام وما يفتقر إليه الناس. وكما تراجعت خيالات الفلسفة النظرية أمام تقدم العقل العلمى، وأمام انتقال العلم بالتطبيق إلى المصانع، وارتقاء الحضارة المادية إلى آفاق أخرى، كما حدث ذلك تراجعت تقاليد كثيرة أمام الدراسات النفسية والقانونية والاجتماعية التى تجتاح العالم كله، وهنا أصيح بصوت عال: لا يجوز الخلط بين تعاليم الإسلام والتقاليد التى تسود بلدا ما، إن للناس تقاليد لبسوها الزى الإسلامى وهى من عند أنفسهم وليست من عند الله، والدعوة إلى هذه التقاليد على أنها المنهج الإسلامى جهل قبيح! فمصادر الإسلام معروفة، وميزانه فى الحلال والحرام حساس، والأمم التى دخلت فيه كثيرة، وتاريخ تقلب بين مد وجزر، وفقهاؤه المجتهدون تعرضوا للصواب والخطأ، وحكامه على اختلاف الأيام والدول فيهم من أحسن وفيهم من أساء، وقد بقى الكتاب الكريم معصوما لا ترقى إليه ريبة، ولم يلق تراث بشر من العناية ما لقيه تراث محمد عليه الصلاة والسلام. ويعنى ذلك أن نتحرى فى ميدان الدعوة، فلا نصد عن سبيل الله بأمر نحسبه من مسلمات الدين وليس كذلك، أو من فرائضه وهو إن عد من النوافل فعلى سبيل الإغماض والتجوز.
مزاج منحرف لبعض من يتصدى للدعوة
في تطوافى بالعالم الإسلامى رأيت ناسا يتحدثون عن الإسلام حديثا تأباه الفطرة ويمجه العقل. إذا كان العقلاء يتعشقون الحرية، فهم يتعشقون القيود، وإذا كان العقلاء يؤثرون السهولة والمياسرة فهم يؤثرون التعقيد والمعاسرة، ومهمتهم بعد هذا الطبع المريض أن يتأولوا النصوص أو يصطادوا من الشواهد النادرة ما يؤيد نظرتهم ويرجح كفتهم.. قال أحدهم ـ وهو يشتغل بعلم الحديث ـ: إن إلغاء الرق ليس من الإسلام.. قلت له: آفتك أنك اشتغلت بالأحاديث قبل أن توثق صلتك بالقرآن الكريم، فلم تتكون لديك الحصيلة العلمية التى تعينك على ضبط الأحكام، واستتليت: إن تحرير العبيد لا تقوم به دولة واحدة ما دام القتال يسود الأرض وما دام الأسرى يسترقون فإذا اتفقت الدولة على ميثاق لتكريم الأسرى ومنع استرقاقهم، فهل نحن المسلمين نرفض ذلك؟ وليس فى كتابنا أمر باسترقاق، وإنما فيه أوامر بالإعتاق! هل إشاعة الاسترقاق هدف إسلامى؟ ما قال ذلك أحد!!. وقال أحدهم ـ وهو يشتغل بالفقه ـ: يجوز للقرشى أن يتزوج من يشاء من العرب أو العجم، أما القرشية فلا بد من مراعاة الكفاءة فى النسب.. قلت له: إن البيوت مغلقة على عوانس بائسات محرومات من الزواج فهل هذا الكلام يحل مشكلاتهن؟
إن هناك أقطارا واسعة فى العالم الإسلامى تشقى فيها النساء لأن التقاليد جعلت دما دون دم وأبا دون أب، أفهذا إسلام؟ ولا أريد المضى فى سوق الأمثال، وإنما أذكر الشارة العامة عند هؤلاء المتحدثين الخطرين على الإسلام ودعوته. إن العقل عند هؤلاء متهم حتى تثبت براءته، والقياس الصريح مؤخر عن الأثر الضعيف، والمصالح المرسلة مذهب مردود على أصحابه، والسيف لا الإقناع أساس نشر الدعوة! وملابس البداوة أمارة على التقوى، أما الأزياء الأخرى فإن لم تدل على التحلل فهى موضع ريبة، وعدم البصر لا غض البصر أساس العلاقة بين الجنسين! وقلما يعرف هؤلاء شيئا عن ضوابط الحكومة العادلة، ولو سألتهم لعادوا يبحثون فى التاريخ عن أساليب الحكم فى الكوفة أو بلخ ليعطوا صورة شرعية للحكم المطلوب..!!
اننى أصادف هذه المناظر المؤذية فى طريق الدعوة فأشعر بالنكد، وآخر ما لقيت من هؤلاء شاب يقول لى: أليس فى الالتحاق بالجيش شىء من الوثنية؟ قلت: ويحك كيف! قال- فض الله فاه-: إنهم يحيون العلم كل يوم وهذه وثنية..!!
هؤلاء المرضى مع ديننا المظلوم يشبهون الزمان المدبر الذى قال البحترى فيه:
وكأن الزمان أصبح محمو لاً هواه مع الأخس الأخسِّ
تساءلت: هل وراء هؤلاء أحد يكيد للإسلام؟ فقد ظهروا بغتة فى عدة أقطار متباعدة. وجاءنا الجواب على غير انتظار، فقد كنت أحاضر فى مدينة “المنيا” وعقب المحاضرة رأيت أن أنصرف مسرعا، لأنى كنت متعبا، ولكن شابا ألح على أن أنتظر لأجيب عن سؤال أثار بعض البلبلة، واضطررت للانتظار، فإذا السؤال المعروض عن حكم “الخل”.
وعقدت لسانى الدهشة! حكم ماذا؟
قالوا: حكم الخل!
قلت: ماذا جرى للخل؟
قالوا: نسأل عن حله أو حرمته.
قلت وأنا ضجر: حلال!
فرد أحد المتقعرين: الدليل؟
قلت: الأصل الحل، ومن زعم الحرمة فهو المطالب بالدليل، وتركت المكان وأنا أتعجب..
وشاء الله أن أسافر إلى “أبي ظبى”، وأن أخطب الجمعة فى مسجد حاشد، وعقب الخطبة تلقيت أسئلة مكتوبة لأجيب عنها، وإذا سؤال يتصدرها عن حكم “الخل”. قلت للمصلين: هل هذا السؤال مكتوب فى عاصمة أجنبية، أشرف على وضعه مع غيره من الأسئلة المحقورة بعض المبشرين والمستشرقين الذين يعملون لحساب الاستعمار الثقافى ويريدون شغل العوام بما يصرفهم عن لب الإسلام؟! وقصصت عليهم كيف سبق لى هذا السؤال فى صعيد مصر، وإذا كنت أسمعه الآن فى غرب آسيا بعد شرق إفريقيا فلابد أنه مع أسئلة أسخف منه سوف يصدر للهند والسند، وغانا والسنغال!!. ولست أرمى بالتبعة على أعداء الإسلام، فإن القانون لا يحمى المغفلين، وإنما أَلفت النظر إلى هذا الهوس الفكرى وحملته فى كل مكان.. لقد أصبح هناك متخصصون فى إثارة الخلافات الغريبة وشحن القلوب بالغضب من أجلها، فلحساب من يقع هذا؟ أعرف متعصبين ذوى قلوب طيبة لبعض وجهات النظر الخفيفة الوزن، وهؤلاء صيد سهل لأعداء الإسلام، وينبغي تفتيح أعينهم على مغبة سلوكهم حتى لا ينكبوا دينهم وأمتهم. ولقد سمعت فى إحدى المحافظات شكوى من أن هؤلاء تجيئهم الكتب بسهولة من وراء الحدود وتبذل لهم بالمجان وآخر ما شغلوا الأذهان به قضية “خلق القرآن” التى ماتت من اثنى عشر قرنا ولم يعد أحد يحسها، إن هؤلاء الملتاثين رأوا إحياءها أو رئى لهم ذلك!!. وتوجد قوى محلية وعالمية تعين على ذلك حتى تنتكس النهضة المعاصرة، ويتدحرج المسلمون من العالم الثالث إلى.. عالم الفناء والتلاشى!!.